الأموال المنهوبة.. قصة دولة تعمل على التفريط في حقها

23 سبتمبر 2020 - 15:02 دقيقة

نزيهة التواتي حمزة

مرّت قرابة العشر سنوات على ثورة 14 جانفي 2011 ولا تزال عديد الملفات الحارقة مفتوحة ومسارها ضبابيا وغير واضح، من بينها ملف الأموال المنهوبة في الخارج والتي اختار الرئيس السابق زين العابدين بن علي وأصهاره إيداعها في بنوك أجنبية وبحسابات مشفّرة.
وهذه الأموال لا يمكن حصرها بصفة نهائية لكنها حسب منظمة ”فاينيشا لانتغريني” الدولية فإن قيمة الأموال التونسية المنهوبة بلغت 60 ألف مليار دولار ، كما أن مسار استرجاع هذه الأموال منذ الثورة إلى اليوم يسير بنسق بطيء لعدّة أسباب أهما المستوى القانوني من ناحية والاستراتيجيات المعتمدة من قبل الحكومات التونسية المتعاقبة منذ الثورة من ناحية أخرى، حيث يعتبر ما تم استرجاعه قطرة في بحر مقارنة بحجم الأرصدة والممتلكات المسجلة باسم بن علي وعائلته وأصهاره.

فملف الأموال المنهوبة والمصادرة إلى اليوم لم يحقّق النتائج المطلوبة، وطيلة السنوات المتتالية لم يكن من الملفات الحارقة والهامة على مكاتب الوزراء والمستشارين الذين تعاقبوا على المناصب، وعددهم ليس بالضئيل، رغم حاجة خزينة الدولة الشديد لهذه الأصول، الأمر الذي يجعلنا نطرح جملة من الأسئلة المتعلقة بسبب هذا "الإهمال للملف" إن صح التعبير وهل هو تخاذل وتواطئ من أطراف معينة أم هناك أسباب إجرائية وقانونية تسببت في تعطيل حلحلة هذا الملف؟؟
وماهي الإجراءات التي ستقوم بها تونس لتسريع جلب الأموال المنهوبة والمجمدة في البنوك الأوروبية خاصة بعدما بعث الإتحاد الأوروبي مؤخرا مراسلة إلى رئاسة الجمهورية التونسية أعلمها فيها بأن آخر أجل لرفع التجميد عن الأموال التونسية المنهوبة سيكون 31 جانفي القادم؟

مليارات من الدولارات المنهوبة.. والاسترجاع مخيب للتطلعات

منذ مارس 2011 أصدرت السلطات القضائية التونسية مرسوماً لمصادرة ممتلكات 114 شخصية، من بينهم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وزوجته ليلى الطرابلسي، وأقربائهم، عقب الحراك الشعبي الذي أطاح بنظامه.
وكان البنك المركزي التونسي، أعلن في شهر جوان 2015، إنه توصل إلى تحديد ممتلكات وأموال منهوبة في 10 بلدان. ولا توجد أرقام رسمية دقيقة عن قيمة الأموال المهربة إلى الخارج، لكن خبراء يقدرون ثروة بن علي بحوالى 5 مليارات دولار، في حين يقدرون ثروة أصهاره بحوالى 12 مليار دولار.
وقدر خبير الأمم المتحدة المعني بآثار الدين الخارجي على التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان، خوان بابلو بوهوسلافسكي، في تصريحات إعلامية سابقة، مجموع الأموال المهربة من تونس بنحو 38.8 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من 1960 إلى 2010، منها 33.9 مليار دولار خلال نظام بن علي.
وأحصت لجنة المصادرة حوالي 550 عقارا و600 شركة على ملك الرئیس المخلوع وعائلته واقاربه واصھاره وبلغت الحصیلة التقريبیة لھذه الممتلكات 20 ملیار دينار اي
ما يعادل 10 ملیار دولار.
واعتبر الخبير الأممي أن المبالغ التي تمت إعادتها إلى تونس حتى الآن لا تزال مخيبة للآمال، داعياً المجتمع الدولي إلى الإيفاء بالتزاماته القانونية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بضمان عودة الأصول المسروقة في الوقت المناسب إلى تونس.

وحول حصيلة الأموال المسترجعة أكد وزير أملاك الدولة السابق مبروك كرشيد أنها لا تمثل إلا القليل من جملة الأرصدة التي أحصتها الدولة، حيث تمكنت السلطات على امتداد السنوات الماضية من استجلاب طائرتين ويختين ومبلغ مالي زهيد لا يتجاوز 250 ألف دولار بمساعدة سويسرية، فضلاً عن استرجاع 3 ملايين دولار من أموال أحد أصهار الرئيس المخلوع و28 مليون دينار تونسي من لبنان كانت محجوزة على زوجة زين العابدين بن علي المصادرة أموالها.

الأموال المنھوبة.. أحكام لا تنفذ

ويصطدم ملف الأموال المهربة إلى الخارج بعقبات وعراقيل إدارية حالت دون استرجاعها واستثمارها في إنعاش الاقتصاد المتردي.
فعشر سنوات مرت وتونس تحاول استرداد الأموال المنھوبة ولكنھا لم تتمكن من ذلك وبقیت مسألة استرجاعھا أشبه بمطاردة الأشباح على الرغم من أنها وجهت تونس أكثر من 89 إنابة عدلیة منذ سنة 2011 لأكثر من عشرين دولة.
رحلة الاسترداد انطلقت منذ 31 جانفي 2011 عندما أصدرت السلطات القضائیة التونسیة قرارا بتجمید ممتلكات وأموال 114 شخصا من عائلة الرئیس السابق وزوجته وأصھاره وأقاربه.
وتواجه تونس منذ ذلك التاريخ صعوبات كبيرة في استرداد الأموال المنهوبة والمجمدة في أرصدة بنكية بعدد من الدول الأوروبية والآسيوية، بسبب تعقيدات قانونية وعدم إبداء الدول التي تحتضن مصارفها الأرصدة المصادرة تعاوناً في هذا الشأن.
وغیاب الرؤية الشاملة والخبرة في اعتماد آلیات جديدة لمصادرة الأموال المنھوبة تعد من أھم التحديات التي تواجھھا بلدان الربیع العربي ومن بینھا تونس في استرداد الأموال المنھوبة وفق ما بینه تقرير حول "المشروع النموذجي لدعم دول الربیع العربي (تونس ولیبیا ومصر) لاسترجاع الأموال والممتلكات المنھوبة في ھذه البلدان والمھربة الى الخارج.''
فنقص الخبرة التونسیة في ھذا المجال جعل القائمین على ھذا الملف يرتكبون عددا من الأخطاء الشكلیة على غرار إرسال مؤيدات بالعربیة إلى محاكم لا تعتمد اللغة العربیة إضافة إلى تكلیف محامین أجانب غیر أكفاء،حسب تصريح لرئيس هيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب، وغیاب التنسیق بین ھیاكل الدولة.
وحسب وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية السابق مبروك كرشید فاٍن تونس تقدمت بعديد الطلبات القضائیة والإدارية لاسترجاع الأموال المنھوبة ولكنھا كانت تجابه بمسوغات إجرائية منھا عدم حصول الأحكام على صیغتھا النھائیة والحال ان المطلوبین يتحصنون بالفرار ولا يجابھون القضاء التونسي رغم ضمانات المحاكمة العادلة.

حكومات مقصرة ولوبيات متنفذة

ورغم أن قیمة الأموال المنھوبة التي حددت ما بعد 2011 ،حسب المنظمة الدولیة والتي تعادل لوحدھا ثلث میزانیة الدولة من سنة إلى أخرى، وھي موارد تحتاجھا الدولة لتعبئة میزانیتھا والقضاء نھائیا على العجز الحاصل بھا والذي حدد بـ 3 بالمائة في قانون المالیة لسنة 2020 ،في حین بلغ حجم الدين العمومي 74 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في ذات القانون، بما يؤكد قیمة ھذه التمويلات في حال استرجعتھا الدولة لتكون الحل الأمثل لإنقاذ میزانیتھا من الإشكالیات المالیة التي تعیشھا، إلا أن النسق ضعیف في عملیة استرجاع الأموال المنھوبة، وارتباك واضح للحكومات ما بعد الثورة في التعامل مع ھذا الملف والتقصیر فيه.
فقد تبين جلیا أن كل الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة لم تتعامل بید من حديد مع ھذا الملف المھم.
وتجمع مختلف الأطراف على أنّ الحكومات المتعاقبة في تونس فشلت في استرجاع الأموال المنهوبة بسبب التقصير في هذ الملف.
وحسب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد السابق شوقي الطبيب فاٍن تونس فشلت في استرجاع الأموال المنهوبة لأنها لم تحترم الإجراءات والآجال القانونية في التعامل مع الدول الأجنبية ذات العلاقة بالملف رغم وجود إرادة على مستوى عدة دول خاصة دول الاتحاد الأوروبي وسويسرا لمساعدة تونس.
وبيّن الطبيب أن من أسباب فشل استرجاع الأموال المنهوبة هو أن المجلس الأعلى للتصدي للفساد واسترجاع الأموال المنهوبة والتصرف فيها المحدث سنة 2012 لم يجتمع منذ ماي 2013.

أموال منهوبة.. الاتحاد الاوروبي يهدد وسعيد يتوعد

وبعث الاتحاد الأوروبي مؤخراً مراسلة إلى رئاسة الجمهورية التونسية، أعلمها فيها بأن آخر مهلة لرفع التجميد عن الأموال التونسية المنهوبة سيكون 31 جانفي المقبل.
وفي المقابل بحث الرئيس ، قيس سعيّد، في اتصال هاتفي مع رئيسة الكنفدرالية السويسريّة، سيمونيتا سوماروغا، ملف الأموال المنهوبة الموجودة بسويسرا.
وحسب البلاغ الصادر أكدت الرئيسة السويسرية أن" سلطات بلادها قامت بكل ما يجب القيام به خلال السنوات الماضية"، ودعت "الجانب التونسي إلى التحرك السريع حتى لا تنقضي الآجال القانونية".
وتأتي هذه الخطوة، بعد إحداث رئاسة الجمهورية، للجنة لمتابعة ملف الأموال المنهوبة في الخارج.
وكان رئيس الجمهورية قال في تصريح حول هذا الملف "هناك أسراب من الجراد في تونس تعبث بالدولة وبأملاك الشعب"، مضيفا أنه "عدم التسامح مع هؤلاء وعدم التسامح في أي مليم مهما كان موقع الشخص وثروته، فقد انتهى عهد العبث بأملاك الشعب".
وشدد الرئيس على أهمية "وضع الأموال المنهوبة في الخارج التي تنتفع بها عديد المؤسسات بالخارج في الحسبان حتى في علاقتنا مع هذه الدول".
اجراءات جديدة وسباق مع الزمن لاستعادة اموال من حق الشعب التونسي من شانها ان تخفف أزمة بلادنا المالية.

المفاتيح: 
إقرأ المزيد من المقالات في: