في زمن الأنترنت: أخلاقيات الإعلام هاجس أساتذة معهد الصحافة بتونس

04 نوفمبر 2020 - 15:32 دقيقة

أخلاقيات الإعلام في الزمن الرقمي"، كتاب جديد من تأليف ثلاثي يجمع اساتذة معهد الصحافة وعلوم الأخبار، الدكتور حبيب بن بلقاسم، الدكتورة هالة بن علي، والدكتورة فاتن بن لاغة، في طرح جديد لاخلاقيات الإعلام لما يشهده العالم من ثورة كبيرة في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال، والتي أصبحت تمثل أحد أهم مراحل التطور التاريخي الكبرى في تاريخ الإنسانية، ونتج عن هذه الثورة المعلوماتية تغيرات كبرى طالت الصناعة الإعلامية، وأنماط استهلاك المعلومات، وإنتاجها، ونشرها، والتشارك في مضامينها.
ويأتي تأليف هذا الكتاب باعتبار أن موضوع أخلاقيات الإعلام أخذ أحجاما لم يعرفها من قبل حتى في الدول الغربية، التي تنعم أساسا بقسط كبير من الحريات الإعلامية وحيث تحظى وسائل الإعلام بجمهور واسع وسلطة حقيقية، إذ ظهرت الحاجة الملحة لتنزيه المهنة وتشجيع ممارستها على أساس قيم أخلاقية بعدما تبين أن تطبيق هذه القيم هو عنصر أساسي لنجاح وسائل الإعلام في أداء دورها وللحفاظ على مستواها المهني، وقد ظهر بوضوح أن غياب القيم الأخلاقية قد فتح الأبواب أمام كل أنواع الفساد الممكنة وأضعف ثقة الجماهير بوسائل الإعلام.
ويحاول الكتاب أن يعطي تعريفا دقيقا لأخلاقيات الإعلام والمبادئ المهنية لهذه الأخلاقيات، والمواثيق الأخلاقية والمرجعيات القانونية المنظمة لأخلاقيات العمل الصحفي، كما يحاول أن يعطي فكرة واضحة عن بعض الممارسات التطبيقية المتعلقة بأخلاقيات ممارسة العمل الإعلامي كمسألة الخصوصية والملكية الفكرية، وعلاقة الصحفي بمصادر الأخبار ومفهوم القذف والذم والقدح والتحقير، وجرائم النشر، والتطفل. ومع ظهور الإعلام الشبكي المرتكز على الإنترنت كوسيلة تواصل ودخول الكثير من الإعلاميين فيه سواءً متخصصين أو غير متخصصين نشأت عدة ظواهر نذكر منها: كسر احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى وظهور فئة من الفاعلين "الإعلاميين" الجدد، من غير المتخصصين في الإعلام، إلا أنهم أصبحوا محترفين في استخدام تطبيقات الإعلام الجديد، بما يتفوقون فيه على أهل الاختصاص الأصليين.
كما ظهرت منابر جديدة للحوار، فقد أصبح باستطاعة أي فرد في المجتمع أن يرسل ويستقبل ويتفاعل ويعقّب ويستفسر ويعلّق بكل حرية، وبسرعة فائقة. وبذلك ظهر ما يسمى بإعلام المواطن وإعلام الجمهور إلى الجمهور وظهرت مضامين ثقافية وإعلامية جديدة. وأصبح المتلقي/ الجمهور يشارك بفضل هذه الفضاءات الإلكترونية الافتراضية في وضع أجندات النقاش حيث نجح هذا الإعلام الجديد أحياناً في تسليط الضوء بكثافة على قضايا مسكوت عنها في وسائل الإعلام التقليدية، مما جعل هذه القضايا المهمة هاجساً للمجتمع، للتفكير فيها ومناقشتها ومعالجتها. ومع هذه الأشكال الجديدة في الممارسة الإعلامية،أصبحنا بحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة الأخلاقيات المهنية في وقت تزداد فيه الظاهرة الإعلامية تعقيدا مع غموض وعدم وضوح الشخصيات الحقيقية التي تتفاعل في إطار الإعلام الجديد أحياناً، كما أن الحرية التي أصبحت لا تحدها حدود الزمان والمكان والرقابة تتيح نشر أخبار غير صحيحة، وشائعات مغرضة، وأفكار خاطئة، كما يمكن أن تقود إلى ارتباطات مدمرة بشبكات الجريمة المنظمة، والإرهاب، والمخدرات، وغسيل الأموال، وغيرها من المخاطر المحتملة. وتطرح الفضاءات الإلكترونية الجديدة العديد من التساؤلات حول أخلاقيات ممارسة مهنة الإعلام ومدى احترام الفاعلين الجدد في الحقل الإعلامي لآداب ومعايير المهنة من التزام الدقة والموضوعية والتوازن والتثبت من صحة الخبر ومصادره واحترام المواثيق المهنية.
وتطرح قضية أخلاقيات الإعلام اليوم في علاقتها مع مبدأ ومفهوم المهنية في ممارسة العمل الإعلامي على اعتبار أن الالتزام بأخلاقيات المهنة هي التي يمكن أن تؤسس لإعلام نزيه قادر على لعب دوره ومسؤوليته الاجتماعية تجاه الفرد والمجتمع.

ملخص الكتاب

تطرق الكتاب إلى أهمية أخلاقيات الإعلام بين النظرية والممارسة وتناول التطبيق العملي للإطار النظري الذي فسر مجموعة المعايير أو الإطار المعياري للمبادئ الأخلاقية للعمل الصحفي الذي من شأنه أن يساعد على توفير المضامين ذات الجودة العالية التي يحتاجها المجتمع. ويقصد بالمعايير مجموعة التصورات المتكونة حول مهنة الصحفي والتي تدفع إلى أنواع وأنماط السلوك التي يجب أن يتقيد بها الصحفي خلال ممارسته لعمله.
وترتبط هذه المعايير العلمية بمجموعة الحالات العملية التي يتعرض إليها الصحفي خلال ممارسته لمهنته وفي هذا الإطار، بين المؤلفون آليات احترام أخلاقيات المهنة الصحفية عمليا من خلال طرحهم لمجموعة من التصورات العملية الإرشادية لمختلف الوضعيات التي يمر بها الصحفي أثناء إنجازه لمهامه الصحفية لأنه لا معنى للأخلاقيات إذا لم تُتَرجم إلى واقع عمَلي ملموس. وتتلخص هذه الوضعيات في علاقة الصحفي بمصادر الخبر على سبيل المثال، على اعتبار أن مسألة المصادر غاية في الأهمية في مجال الإعلام بما أن العمل الصحفي يرتكز بدرجة أولى على المصادر وهي المزود الأساسي بالمادة الإعلامية. كما بين الكتاب مجموعة من السلوكيات الأخلاقية، التي على الصحفي، في علاقته بمصادر الخبر، أن يحترمها حتى يتم استخدامها بالشكل الصحيح مثل استخدام وسائل عادلة في الحصول على المعلومات وعدم قبول الهدايا وآداب التعامل مع المصادر وإخفاء هويته واحترامه لوعوده لمصادره واحترام سريتها..
كما تناول الكتاب مبدأ سرية المعلومة في وسائل الإعلام وحق الصحفيين في الحصول على المعلومات مستشهدا ببعض التجارب العالمية في هذا المجال إضافة إلى ما تم تحقيقه في تونس. ومن جملة المبادئ المعايير التي حاول المؤلفون أن يوضحوا آليات تكريسها في العمل الصحفي نذكر مبدأ حقوق الأفراد في الإعلام على غرار الخصوصية ومفهوم القذف والشتم واحترام مبدأ الملكية الفكرية خاصة أن التطورات التكنولوجية، زادت الاهتمام بحماية الملكية الفكرية لما توفره هذه التكنولوجيات من أساليب وخطورة على التعدي على الممتلكات الفكرية. كما طرح الكتاب عددا من المواضيع الصحفية التي يمكن أن يتعاطى معها الصحفي خلال مسيرته واقترح المعايير التي يمكن أن تساعده على التعامل معها مثل قضايا الأطفال وقضايا الهجرة غير الشرعية وتغطية الأحداث المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان وأخلاقيات تغطية بعض القضايا الإنسانية على اعتبار أن هذه النوعية من المواضيع تتميز بطابع إنساني مهم جدا في المجتمع نظرا لقوة تأثير ها على أفراد المجتمع من ناحية، وارتباطها ببعض الجوانب الخاصة بكرامة الأفراد وحقهم في الخصوصية من ناحية أخرى.
وفي هذا الإطار، طرح الكتاب عدد من التساؤلات حول العلاقة بين وسائل الإعلام ومبدأ المسؤولية الإنسانية لوسائل الإعلام، بمعنى هل يمكن الحديث عن مبادئ أخلاقية محددة تلزم الصحفي في تعاطيه مع هذه النوعية من القضايا، وذلك بحكم انتمائه وتعاطفه الإنساني ؟ وهل هذا الانتماء الإنساني قادر على فرض مبادئ تشكل المسؤولية الإنسانية لوسائل الإعلام ؟ وتناول الكتاب معايير تغطية الكوارث والأزمات خاصة أن تغطية المآسي والمعاناة الإنسانية من المهام الصعبة التي يمكن أن تعترض الصحفي، وذلك لبشاعة ما يمكن أن يشاهده من سقوط ضحايا وحدوث وفيات وإصابة المصادر بحالة هلع وتوتر تصيب بدورها الصحفي فضلا عن إلحاح مؤسسته الصحفية على الحصول على تغطية سريعة ودقيقة لمختلف الوقائع.
وخصص المؤلفون جزءً من الكتاب لطرح أخلاقيات الصحافة زمن الأزمات والحروب إضافة إلى تغطية الأحداث الإرهابية على اعتبار أن الصحافة تتحمل مسؤولية اجتماعية تجاه المجتمع، وتقترن هذه المسؤولية بمختلف مراحل إنجاز العمل الصحفي بداية من عملية جمع الأخبار وصولًا إلى مرحلة إعداد التقارير، لذلك يؤكد المؤلفون أن هناك حاجة لتكريس مبادئ أخلاقية لبناء نموذج صحفي هادف ومفيد ومسؤول خاصة خلال فترة الأزمات يقوم على احترام حق المواطن في المعرفة من جهة والحفاظ على السلم الأهلي من جهة أخرى.
كما طرح الكتاب بعض الإشكاليات الأخرى مثل إشكالية الخلط بين الإعلان والإعلام وقدم نصائح عامة لتوضيح الفرق بين المضامين الإعلامية والإخبارية من جهة والمضامين الإعلانية والإشهارية من جهة أخرى ونظرا للارتباط الوثيق بين الإعلام والتكنولوجيا فقد خصص الكتاب فصلا حول أخلاقيات الإعلام الجديد. وعرف الكتاب بمفهوم الإعلام الجديد وعلاقته بتوسيع مجال حرية التعبير لما توفره هذه البيئة من قوة انتشار المضامين العابرة للحدود وهو ما يكرس مبدأ القرية الكونية لمارشال ماكلوهان.
في المقابل، اعتبر المؤلفون أن هذا المفهوم ارتبط بأنماط جديدة من الانتهاكات الأخلاقية ساهمت البيئة الإلكترونية في انتشارها. و بالتالي تطرح اليوم، العديد من التساؤلات حول أخلاقيات العمل الصحفي ومدى احترامه لآدابه ومعاييره من التزام الدقة والموضوعية والتوازن والتثبت من صحة الخبر ومصادره واحترام المواثيق المهنية .... وهي مبادئ غاية في الأهمية على اعتبار أنها تؤسس لإعلام نزيه قادر على لعب دوره ومسؤوليته الاجتماعية تجاه الفرد والمجتمع.
وناقش المؤلفون في هذا الفصل الضوابط الأخلاقية في مجال الممارسة المهنية في البيئة الإلكترونية، إضافة إلى مختلف الإشكاليات الأخلاقية المطروحة في الإعلام الجديد وأخلاقيات الميديا الاجتماعية. حيث بيّن العلاقة بين الشبكات الاجتماعية والصحافة وما أحدثته هذه الشبكات من تحولات عميقة في مجال الإعلام فقد أصبحت تساهم بقدر كبير في كيفية نقل الأخبار والأحداث وفي صناعة الأخبار وكيفية التلقي وبناء المعنى لهذه الأحداث. هذه التحولات انعكست على طبيعة الممارسة الإعلامية وما تتطلبه من مزيد البحث والتقصي والتحري والتثبت من المعلومات. كما أصبح عمل العمل الصحفي يرتكز غالبا على التفسير والتوضيح والتفاعل السريع مع الحدث.
وتناول المؤلفون التحديات التي تطرحها هذه البيئة الرقمية وتوسيع نطاق دور الصحفيين ومهنتهم حيث أصبحت تعمل كنقطة تقاطع في بيئة معقدة بين التكنولوجيا والمجتمع، وبين الأخبار والتحليلات، وبين الشرح والاختيار، وبين التوجيه والتحقيق. ويعتقد المؤلفون أن اعتماد وسائل الإعلام على هذه الشبكات لا يخلو من مخاطر، فهو لن يجعل منها وسائل عصرية بل قد يؤدي إلى إضعافها وتنفير المتلقي منها لأنها جلبت معها تحديات جديدة في صحة الأخبار ودقتها وأهميتها وقيمتها بالنسبة إلى الجمهور. وحاول المؤلفون طرح مسألة استخدامات الصحفيين للشبكات الاجتماعية واقترحوا مجموعة من المعايير والسلوكيات التي على الصحفيين احترامها والالتزام بها عند استخدامهم لشبكات التواصل الاجتماعي.
الكتاب صدر عن دار مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، جانفي 2020. ويتكون من ستة فصول.

إقرأ المزيد من المقالات في: