أوروبا "والتطرف العنيف"...إعادة تدوير ورسكلة نفايات الإرهاب


الأزمة التي خلفتها عودة الإرهابيين من بؤر التوتر بعد انكسار المشروع الجهادي وانتشارهم في دول أوروبا الغربية التي شكلت أحد أهم خزانات تصديرهم باتجاه سوريا أساسا، وانعدام قدرة الأفكار التي تم تسويقها في فترات سابقة بمسميات عودة التائبين وغير المورطين في الجرائم الإرهابية على تجاوز الأزمة مع هزيمة الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق، دفعت بمحاولات البحث عن بدائل لتصريف الأزمة أمرا لا يمكن تجاوزه في القارة العجوز.

التصدي لفكرة عودة الإرهابيين بمسمى عودة التائبين والتي انهارت رغم جهود كبيرة بذلتها أطراف سياسية حاولت جاهدة تمرير المشروع لتؤكد استعدادها لتنفيذ ما يطلب منها خاصة وأنها شجعت وغضت الطرف عن تحرك جحافل الإرهابيين بعد بداية ما سمي "بالربيع العربي" باتجاه الدول التي اجتاحها الإرهاب وخاصة سوريا وليبيا أساسا.

مخارج الأزمة والبحث عن أقلها تكاليف سياسية تمحورت في تقديم مصطلح جديد لتعريف الإرهاب والتعبير عنه "بالتطرف العنيف" وتقديم ما سمي بالمقاربات للتعاطي معه والتي انحصرت برؤى متباينة بين القضاء على الإرهابيين في بؤر التوتر وبين إعادة نشرهم في مشاريع بؤر توتر جديدة وبين إعادة إدماجهم مجددا في مجتمعاتهم اعتمادا على تجارب المصالحة والمناصحة التي شهدتها دول عربية وإسلامية وتباينت نتائجها دون التوصل لحلول يمكن وصفها بالمثالية لتجاوز المأزق في التعاطي مع الإرهابيين الذين ضاقت الأرض بهم بعد انتهاء دورهم في المرحلة الحالية.

التعاطي الأوروبي الذي انطلق بعد عدد من العمليات الإرهابية القاسية التي شهدتها عدة دول أوروبية ساهمت بشكل أو بأخر في إرسال مئات الإرهابيين من جنسيات وأصول عربية وإسلامية ومنهم تونسيين ثم عودة كثيرين منهم باتجاه هذه الدول والمخاوف التي تنتاب دول أوروبا من قرب انتهاء دورهم وفشل المشروع الذي أريد تنفيذه في سوريا التي أرسل لها ما يقارب 200 ألف إرهابي كان المطلوب منهم إسقاط النظام السوري وتغيير شكل الخارطة السياسية في المنطقة بتقسيمها مجددا بعد مائة سنة على اتفاقيات سايكس بيكو التي قسمت الشرق الأوسط.

الإصرار الأوروبي على ّإيجاد حل لتصريف عناصر "التطرف العنيف" تمحور بمحاولات استثمار في مجال تسويق الفكرة وتمرير جملة ومضات خفيفة تتمحور حول شباب وصل لبوابة هذه الجماعات لكنه عاد في النهاية وتخلى عن الفكرة وتفاعل مع الاندماج الإيجابي في المجتمع.

دول أوروبا الغارقة في مستنقع تواجد الإرهابيين على أراضيها أو الباحثين عن الوصول لها بعد وصولهم في سوريا لخيار الموت أو الفرار من الجحيم القادم على يد الجيش السوري وحلفائه جعل من فرضية تحولها في القريب القادم لخزان يضم إرهابيين مدربين وعقائديين لا يمكن توقع كيفية انفلاتهم وارتكابهم لجرائم إرهابية .

الولايات المتحدة اللاعب الرئيس في كل الصراعات التي شهدتها وستشهدها المنطقة لا تعتبر ملف الإرهابيين أزمة مزمنة لها وتعتبر نقلهم وإعادة تموضعهم في بؤر توتر مستقبلية يخدم أهدافها في المدى المنظور والمتوسط ويبرر بقوة ما تسميه بالحرب على الإرهاب خاصة وأن مقاربتها تعتبر قدرة هؤلاء على الوصول إلى اراضيها البعيدة شبه مستحيلة مما يجعلها في مأمن من خطرهم القادم.

وهذه المقاربة لمواجهة " التطرف العنيف تضع الدول المستهدفة باستقبال هؤلاء أمام تحد يتخلص في قدرتها على الموافقة والتناغم مع مطالب الدول الأوروبية بنقل الإرهابيين وإعادة إدماجهم وعائلاتهم فيها بعض النظر عن المقابل السياسي أو الدعم الاقتصادي الذي يمكن تقديمه لمقايضة الموضوع، والنتائج التي يمكن أن تكون كارثية في حال فشل هذا الخيار وانفلت باتجاه أن يكون إرهابي ينجح في كسر المراقبة اللصيقة ويرتكب عمل إرهابي لا يمكن توقع نتائجه وتداعياته.

ثقافة مكافحة "التطرف العنيف" المصطلح الجديد واللطيف لتعريف الإرهاب في المستوى الأوروبي لا تخرج في خاتمة الموضوع عن محاولة تصدير وإعادة تدوير ورسكلة نفايات الإرهابيين خارج أراضيها بمعنى أن هذه الدول التي لا تجد القدرة على مواجهة المشاكل التي أوجدتها بحماقاتها السياسية وتسعى لتصديرها تماما مثلما حاولت تصدير نفاياتها عندما وجدت أن إعادة تدويرها ورسكلتها ستكون تكاليفه أكثر بكثير من تصديرها للخارج بغض النظر عن النتائج المأساوية لمثل هذا الفعل على البشر والطبيعة في الدول الفقيرة التي قبلت مقايضة خاسرة بفتح أراضيها لنفايات الدول الأوروبية والتعويض المادي مقابل ذلك.

الخشية اليوم أن تكون معالجة ظاهرة عودة الإرهابيين أو ما اصطلح على تسميته بمعالجة ظواهر "التطرف العنيف" لا تعدوا في سقف نتائجها إعادة تدوير ورسكلة لنفايات الإرهابيين في دول تفتح أراضيها لاستقبالهم مهما كانت التعويضات والدعم السياسي الممنوح للأطراف التي ستتبنى المبدأ لأنه لا يمكن ضمان من تلوثت يديه بالدماء وشارك لفترات طويلة ضمن جماعات إرهابية تكفيرية وغادر هربا من الموت بعد انكسار المشروع الذي ذهب لإقامته سيكون إنسان سوي لن يعود لتكرار نفس الجرائم التي سبق وشارك بها عندما تتاح له فرصة قادمة لتكرار ذلك، كما أن هؤلاء سيشكلون مخازن متنقلة للفكر السلفي الجهادي المتطرف ينقل الرواية والتجربة التي عايشوها بعد أن يتأكدوا أنهم لن ينالوا عقابا يتناسب مع حجم الجرائم التي ارتكبوها.

ويبقى التساؤل المهم هل يمكن تحمل نتائج إعادة تدوير ورسكلة نفايات الإرهاب وتحمل النتائج ذلك لتنفيذ رغبات أوروبية كل همها أن تخرج بأخف الأضرار من الحماقات التي قامت بها في الدفع بالإرهابيين وتسليحهم وتمويلهم لإسقاط الأنظمة في سوريا وليبيا واليمن وإعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم مصالح الولايات المتحدة على حساب أمنها

بقلم رئيس التحرير باسل ترجمان


إعلانات