اغتيال محمد الزواري: البدايات المرتبكة والروايات الغامضة

بقلم رئيس التحرير باسل ترجمان

لغز اغتيال محمد الزواري مازال لم يبح بعد بحقيقة ما جرى رغم إن جل أوراق الملف تبدو متكاملة لدى أجهزة الأمن التونسية التي اعتقلت ثلاثة متهمين بالتورط في العملية وحددت شخصيتي التنفيذ والبحث جار بالتعاون مع البوليس الدولي لإيقافهم وهو بالتأكيد قضية وقت لن تطول كثيرا.
البدايات المرتبكة التي رافقت عملية الاغتيال كانت في تعاطي من ذكروا فيما بعد أنه أحد قادتهم وهي حركة حماس التي أعلنت أن محمد الزواري هو من قيادات برنامج التصنيع العسكري لطائراتها بدون طيار والتي سمعنا عنها لكن لم يراها احد ولم يكن لها دور في الحروب التي شهدتها غزة في السنوات العشر الأخيرة.
الإرباك لم يتجلى فقط في روايات حماس المتناقضة بل في أنها لا تملك معلومات حقيقة عن الرجل وحتى الصورة التي استعملتها في وسائل إعلامها كانت مأخوذة من صورة للقاء تلفزيوني أجرته معه احد القوات التلفزيونية حول برنامج للطيران في ناد للشباب يشرف عليه محمد الزواري الذي لم يكن احد يعرفه في تونس أو يعرف عنه شيء.
الرجل اللغز الذي عاد لتونس بعد سقوط نظام بن علي ويحمل إضافة لجواز سفره التونسي جواز سفر سوداني وكانت تنقلاته بين تونس واسطنبول وماليزيا، شكل موته بهذه الطريقة لغزا كان أول نقطة فيه لا تبتعد عن محاولة معرفة من هو بدرجة أولى ثم تفكيك عملية الاغتيال التي نفذت بشكل فيه الكثير من العفوية وغياب الخبرة وسوء الأداء مما سهل على أجهزة الأمن في تونس الوصول لكامل مجموعة التنفيذ بسهولة وتفكيك الكثير من الحلقات في الملف الذي فقد صفة الغموض التي تميز عمليات الاغتيال التي تنفذها أجهزة المخابرات المحترفة.
مرت الأيام ثقيلة على الجميع فالكل يحاول معرفة ما جرى خاصة مع دخول صحفي إسرائيلي على الموضوع ودخوله لتونس بجواز سفر ألماني في محاولة استعراضية لإظهار عقدة مزمنة في الشخصية الإسرائيلية الباحثة عن إدعاء دور البطولة في كل الاتجاهات لتغطي عقدة النقص والانكسار التاريخي المميز لمفاصل هذه الشخصية في الماضي والحاضر.
المعلومات الشحيحة التي قدمتها الحكومة التونسية عكست ذكاء امني مبدع في ترتيب الأحداث وتفسيرها وألقت بغموض بناء حول نتائج التحقيقات حتى لا يستطيع أحد أن يقترب ويعرقل الأبحاث أو يحاول حرف التحقيق عن وجهته التي سار فيها.
بعد كل الإرباك الذي شهده تعاطي حماس مع الملف وصمت طويل مضى دون أن تعكره حكايات جديدة خرجت وكالة شهاب للأنباء التي تتبع رسميا لحركة حماس لتقول أن قاتل محمد الزواري بلجيكي الجنسية ومن أصول مغاربية قاتل مع داعش في سوريا ونشرت فيديو لمن زعمت أنه القاتل ملصقة ما ذكرته بمصادر لها في تونس قالت أنها مصادر أمنية حسب إدعائها.
موقف وكالة شهاب الحمساوية طرح ظلال كثيرة حول ملف اغتيال محمد الزواري وأعاد رواية حماس الأولى لنقطة الصفر مرة أخرى فكيف يعقل أن تتحول الرواية من الموساد إلى قاتل داعشي وما وجه الربط بين الطرفين والأهم لماذا حماس تلقي برواية متناقضة لما بنت عليه روايتها وأقامت مجلس عزاء لمن وصفته بالقيادي في كتائب عز الدين القسام رغم أنها عجزت عن تقديم صورة واحدة له من أرشيفها الخاص والذي يبدو انه فارغ تماما من كل المعلومات عنه.
تساؤلات كثيرة طرحت حول موقف حماس المرتبك ولماذا تحول فجأة إلى قيادي يصمم برنامج الطائرات بدون طيار ثم إلى مهندس يصمم غواصة بدون ربان كان يخطط لأن توجه ضربات في العمق البحري لإسرائيل، ثم انتقل الحديث إلى رواية لا تتشابه مع المعنى المستهدف من قريب أو بعيد دون أن نفهم ما الذي يجري في أوساط حركة حماس وما هذا التضارب والغموض في الروايات.
أيام قليلة مرت ومن نفس الحوض الفلسطيني خرج موقع أخر يتحدث عن تورط إسرائيلي بالتعاون مع دولة عربية في عملية اغتيال محمد الزواري ومرة أخرى وبنفس الرداءة في الإخراج نسبت المعلومات لموقع مغربي لا وجود له، ولمصادر أمنية تونسية أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن العملية كانت بتنسيق إسرائيلي إماراتي وان ضباط المخابرات الإماراتية غادروا تونس فورا بعد تنفيذ العملية .
هذا الإرباك الواضح لدى أطراف فلسطينية يبدو انه يعكس حالة تصفية حسابات بين مشاكل حزبية وأزمات ميزت واقع الحال من عشرات السنين فصار تبادل الاتهامات وتوجيهها أمر ليس له قيمة أو مصداقية في كل ما ينشر أو يقال من هؤلاء.
استغلال أسم تونس والحديث عن مصدر أمني قال لهم سواء في قضية تورط المغربي المتهم بقتل الزواري مع داعش، ثم توجيه اتهامات للإمارات يعكس أنه هنالك محاولات لبث إشاعات تحقق منها هذه الأطراف مكاسب رخيصة وقذرة لمحاولة التشويش على نتائج التحقيقات والسؤال المهم لمصلحة من يعمل هؤلاء سواء وكالة أنباء شهاب التابعة لحماس أو غيرها.
من المهم بالنسبة للجميع اليوم أن تظهر حقيقة عملية اغتيال محمد الزواري بعيدا عن الاتجار السياسي بها والذي صار سلعة رخيصة لدى الكثير من الأطراف المتاجرة بالدم ويبدو أن تقدم التحقيق ونجاح أجهزة الأمن بتفكيك ملف القضية يثير خوف وقلق الكثيرين دون سبب مفهوم أو مقنع سوى مخافة معرفة الحقيقة التي يبدو انها سببت لهم رعبت أكثر مما يمكن فهمه.
ضرورة الرد على ما تحاول مواقع رسمية تابعة لحماس ولغيرها تمريره للتشويش على التحقيق والانتقام من دول لهم معها خلافات كبيرة أصبح أمراً ملحاً لأن تونس وبعد أن دفعت فاتورة مقتل الزواري ليست مستعدة لدفع فاتورة تصفية الحسابات بين الجماعات الفلسطينية المتناحرة وخلافاتها الداخلية والخارجية والمهم أن تكشف الحقيقة كاملة لنعرف من القاتل ولماذا ارتكب جريمته ومن يقف وراء ذلك.



إعلانات

الأكثر قراءة