المصعد الإجتماعي .. كان صرحا فهوى

بقلم قيس بن نصر

" العلم يرفع بيتا لا عماد له ...و الجهل يهدم بيت العز و الشرف "
أحمد شوقي

لا يختلفان إثنان في أن المدرسة العمومية منذ الإستقلال إلى الماضي القريب ، تعد الحاضنة الأولى و الوحيدة لأبناء العائلة التونسية في بناء مستقبلهم المعرفي والدراسي وضمان آفاق متعددة لهم على مستوى التكوين والتشغيل والوظيفة العمومية، ومن باب الحنين الجميل، مثلت مناظرات الامتحانات الوطنية مثل مناظرة السيزيام و مناظرة الباكالوريا والأستاذية، محطات هامة و مصيرية جدا لأغلب العائلات التونسية، وكونت المدرسة العمومية أجيالا متعاقبة أنتجت خيرة النخب في مختلف المجالات، إستفاد منها الوطن في الداخل عن طريق بناء و تنمية العديد المكاسب الوطنية وفي الخارج عن طريق تميز الكفاءة التونسية أينما كانت في العالم بما فيها النازا .

أهم ما تميزت المدرسة العمومية طيلة عقود متتالية بعد الإستقلال ، أنها أنتجت مصعدا إجتماعيا من خلال تكريسها لمجانية و جودة التعليم و التحفيز على الدراسة و التكوين و التربص ، لتنتهي هذه المراحل بالتتويج الأكبر و هو الحصول على وظيفة سامية في مؤسسات الدولة ، و هذا التتويج هو ثلاثي الأبعاد في مضمونه ، تتويج الطالب الذي عمل بمقولة " من طلب العلا ، سهر الليالي " و تتويج الدولة التي راهنت على عنصر من المجموعة الوطنية و نجحت في رهانها و أنتجت مواطنا صالحا مفيدا لبلده ، و تتويج ثالث وهو تتويج العائلة التي نجدها فقيرة أو متوسطة الحال في أغلب الحالات ، هذه العائلة التي ضحت بالغالي و النفيس من أجل توفير الظروف الممكنة لنجاح إبنها و بالتوازي مع ذلك إرتقاء العائلة لمستوى إجتماعي أفضل .

في هذا السياق ، كم من معلم من عائلة فقيرة ، كون أجيال متعاقبة بعقيدة " كاد المعلم أن يكون رسولا " و كم من طبيب تميز في إختصاصه يفتخر بمدرسته الأولى عائلته المتوسطة الحال التي راهنت عليه و على المدرسة العمومية لتأهله طبيبا فاعلا في الصحة العمومية في بلده ، كم من مهندس حلم مع عائلته رغم صعوبة الظروف ، أن يكون مهندسا من المتميزين في مجاله و تتفاخر به عائلته و أسرته الموسعة و تحقق ذلك بعد رحلة دراسية جميلة مع المدرسة و الجامعة العمومية ، و كم من تونسي توجته المدرسة العمومية و توج عائلته لتنتصر على الفقر و الحاجة و الظروف الصعبة و أحيانا القاسية جدا .

المتأمل اليوم في المصعد الاجتماعي الذي أنتجته جودة الرؤية في دور المدرسة العمومية في يوم ما ، على مستوى جودة التعليم ونجاعته على المتعلم والدولة والعائلة – الأبعاد الثلاث التي ذكرتها آنفا – فنجد وبكل مرارة منذ حوالي عقدين من الزمن بدا هذا المصعد الإجتماعي يتراجع شيئا فشيئا لضبابية في الرؤية في مرحلة أولى و لإنعدامها في مراحل متتالية، فإرتفعت نسبة التمدرس كثيرا بصفة عشوائية وتراجعت قيمة مناظرة الباكالوريا المصيرية وإستقبلت الجامعة التونسية الحابل و النابل و أصبحت الشهادة الجامعية في متناول الجميع و أثمر كل ذلك نسب عالية في حاملي الشهائد العليا دون شغل ، دون وظيفة ، دون آفاق .

بلغة الأرقام ، تونس مصنفة اليوم في المراتب الأخيرة في جودة التعليم عربيا وعالميا، أما بخصوص بطالة حاملي الشهائد العليا بعد ثورة الكرامة فقد بلغ عددهم 262.4 ألف عاطل عن العمل في الثلاثية الأخيرة من سنة 2016 أي بنسبة تبلغ 31.6 بالمائة حسب آخر ما قدمه المعهد الوطني للأحصاء، وفي سياق آخر ذات صلة بموضوع التعليم، المدرسة العمومية تفقد تميزها و ريادتها مع المدرسة الخاصة – ترتيب المناظرة الوطنية السيزيام مثلا ، إلى جانب المشاكل و التجاذبات العديدة التي أربكت ثقة المواطن التونسي في المؤسسة التربوية خلال المواسم الفارطة ، هذه حقائق يجب التأمل فيها و التفكير في الحلول الناجعة ، دون التحامل على المدرسة الخاصة كمكسب وطني أيضا في الإستثمار في مجال التعليم ، ولكن دفاعا على المدرسة العمومية التي تكرس مجانية التعليم للفئة الإجتماعية الفقيرة و المتوسطة والتي كانت مصدرا للمصعد الإجتماعي بالنسبة للعائلة التونسية البسيطة إجتماعيا منذ الإستقلال إلى ماض قريب.

لست عبقريا ، لكي أخوض في موضوع الإصلاح التربوي و تفاصيله ، الذي لم يتبلور إلى حد الآن بمختلف الدواعي و التعلات و "التبريرات" و الحسابات و المزايدات وحتى الوزراء الذين تم تكليفهم بحقيبة التربية في إطار محاصصات حزبية ضيقة لذلك لم يشتغلوا جيدا على ملف الإصلاح التربوي الذي هو في إعتقادي الحل الوحيد و الجذري و العلمي و الإستراتيجي لجودة الرؤية و نجاعة التعليم و تكريس المصعد الإجتماعي من جديد و لكن للأسف الشديد لا يمكن أن تخفي العائلة التونسية المؤمنة بعراقة و نجاعة المدرسة العمومية حقيقة تتجرعها بكل مرارة منذ مدة وهي : المصعد الإجتماعي ، كان صرحا فهوى ...



إعلانات

الأكثر قراءة