حماس شجرة فرعها ليس في السماء

أحمد فايز القدوة

الوثيقة الجديدة وتولي هنية زعامة حماس لن يغيرا شيئا على أرض الواقع على المدى المنظور. حماس هي نفسها. تبيع الأوهام وتشتري بها أوجاعا جديدة لأهالي غزة.

لم يعد أصل شجرة حماس ثابتا ولم يعد فرعها في السماء. الشجرة تساقطت أوراقها سريعا مع رياح الحصار والعزلة. الأمور الحياتية غلبت مبادئ كان يشاع أنها “أصيلة” تأسست من أجلها أكبر حركة إسلامية في فلسطين قبل نحو 30 عاما.

حماس اليوم ليست التي أسسها أحمد ياسين. الشجرة اهتزت جذورها ولم تعد ثابتة على مبادئ، فهي تخلت عن الكثير من أجل هدف اسمه “السلطة والكرسي والإدارة المحلية”. وأيضا حماس تأسست لهدف سام هو “تدمير أي اختلاف فلسطيني”.
حماس تغيّرت الآن؟ يبدو أنها تعيد صياغة شعاراتها الممزوجة بآيات قرآنية ووطنية من أجل “لقمة العيش” كما يقال. لم يعد هناك أي معنى لشعارات لا تطعم قادتها بعد حصار دام أكثر من عشرة أعوام. يبدو أننا مقبلون على عهد “السلام الحلال” مع القيادة الجديدة لحماس.

اختارت الآن إسماعيل هنية على دفة القيادة. الرجل الذي فشل في قيادة حكومة فلسطينية جامعة لأنه اختار الانتماء لقبيلته، وتخلى عن كل شيء من أجل تلك القبيلة التي بدورها تخلت عن مبادئ “التأسيس”.

ستختفي أدوات “التخوين والتكفير” من قاموس حماس بعد أن تبنّت وثيقة “المبادئ والسياسات” التي تقبل بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وتخلت عن المطالبة بأرض فلسطين التاريخية.

ما يهم من التغيرات داخل حماس أن قادتها لن يجدوا ما يخوّنون به خصومهم في الداخل. أصبح الجميع يتشابه في “التفكير” تجاه إسرائيل. واحد يريد التفاوض مباشرة وجها لوجه، والثاني يتفاوض “سرا بطريقة شرعية”.

لم يعد هناك أي فرق بين العلمانية فتح والإسلامية حماس. الاثنتان تتفقان على دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 1967. الحركة الإسلامية قبلت بحدود الدولة و”تناور” بمسألة الاعتراف بالدولة العبرية.

يراد من مسألة الاعتراف من عدمه التغطية على انتكاسة قبول حماس بدولة على حدود 67. الحركة الإسلامية طوال السنوات الماضية لم تفوّت فرصة لـ“تخوين وتكفير” من فاوض وصالح إسرائيل و“بيعه الأرض والهوية”.

عمليا القبول بحدود 67 والإجماع داخل حماس عليها هو تغطية أخرى على انتكاسة أكبر متمثلة في موافقة الحركة الإسلامية على “إمارة” في بقعة صغيرة اسمها غزة. لغز الوثيقة والاعتراف والقبول يكمن في غزة؟
وثيقة حماس تدشّن عصرا جديدا قائما على “التفاوض الحلال” مع إسرائيل. سيطوف هنية دولا عربية وإقليمية بالوثيقة الجديدة بحثا عن سند يزيح عن حركته أعباء الحصار والعزلة السياسية. حماس تريد أن تكون البديل عن فتح في السلطة ومنظمة التحرير.

خالد مشعل قبل أيام من تركه لمنصبه استجدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفتح قنوات تواصل مع حركته. كان كلامه لواشنطن بمثابة القول إن حماس تغيّرت! ولم تعد تشكل خطرا على إسرائيل. من الغرابة أن حماس تستجدي التقارب مع واشنطن، وهي التي لم تهدأ يوما من التحذير من “الدلال الأميركي لإسرائيل”.

وصول هنية إلى زعامة حماس لن يغيّر شيئا على الصعيد الداخلي. الرجل فشل في إتمام مصالحة داخلية وأيضا لم ينجح في منع الاقتتال عام 2007، بل هو الشاهد على صيحات التكبير والتهليل عند اقتحام المقار الأمنية والعسكرية.
المتتبع لأمر القرار داخل الحركة الإسلامية يعرف أن رئاسة المكتب السياسي هو منصب “شكلي” بالدرجة الأولى. قرارات الحرب والسلام، كما يقال تتخذ داخل الأطر العسكرية لحماس.

القرار بيد كتائب عزالدين القسام، بمعنى أوضح أن قيادة حماس الآن بيد الرجل القوي يحيى السنوار الذي تم اختياره رئيسا للمكتب السياسي في قطاع غزة، وهو من بين المؤسسيين الأوائل لأجهزة حماس الأمنية في ثمانينات القرن الماضي.
الوثيقة الجديدة وتولي هنية زعامة حماس لن يغيّرا شيئا على أرض الواقع على المدى المنظور. حماس هي نفسها. تبيع الأوهام وتشتري بها أوجاعا جديدة لأهالي غزة الذين يقبعون تحت إمرتها بقوة السلاح.

ما معنى أن تتخلى حماس بفكرها وقادتها وتنظيمها عن “أجزاء من فلسطين” لصالح مبدأ التقارب مع العالم الخارجي. ما كان حراما قبل تلك الوثيقة صار حلالا بعدها. لم يعد شيوخ وخطباء وأئمة حماس يتحدثون عن “الحرام” من التفاوض مع إسرائيل. الآن كل شيء مباح مادام قادة حماس هم الذين يتولون ذلك.
حماس رضيت بإمارة بغزة على مقاسها. وتريد تصحيح “المسار” مع الجارة مصر لأغراض تفي بمتطلبات الحياة لتلك الإمارة، لا يهم قادة حماس سوى إنعاش سلطتهم الأمنية والعسكرية في غزة. لذلك ضحّت بالأرض والهوية من أجل هذا الغرض.

ليس هناك من يطالب بالقدس وعودة اللاجئين والحدود والمياه. اليوم هناك مطالبات بتوفير ماء وكهرباء ومعبر حدودي “لإمارة غزة”. مطالب حماس قبل الوثيقة كانت “معيشية” وليست “أبدية”. مطالب لسد الجوع والعطش، وليس لاسترجاع أرض منهوبة ومسلوبة بفعل التاريخ. المطالب بعد الوثيقة هي إعطاء صورة كاذبة عن “التمسك بالمبادئ والثوابت”. لم يعد هناك أي مبادئ في السياسة الداخلية الفلسطينية.

الخطيئة الكبرى التي اسمها انقسام فلسطيني لم تدفع حماس إلى الآن للاعتذار عنه. ويبدو أنها لن تعتذر رغم دعوات “معتدلة” من قادة ضعفاء داخلها.

من سينسى عمليات القتل باسم “نصرة الإسلام والقرآن” في غزة قبل عشرة أعوام. من يتناسى اقتحام المقار الأمنية والعسكرية بصيحات التكبير والتهليل وكأن من في هذه المقار “كفار قريش”؟

ما يهم حماس هو أقل بكثير مما يطمح إليه طفل فلسطيني في مخيمات اللجوء بلبنان والأردن وسوريا وعلى حدود غزة.



إعلانات